عبد الواحد بن محمد المالكي ( المالقي )

640

شرح كتاب التيسير للداني في القراءات ( الدرر النثير والعذب النمير )

--> - ثبت أن التاء لا تكون لمجرد الخطاب ؛ ألا ترى أنه لا ينبغي أن تلحق الكلمة علامتا خطاب كما لا يلحقها علامتا تأنيث ، ولا علامتا استفهام ؟ ! فلما لم يجز ذلك أفردت التاء في جميع الأحوال ؛ لما كان الفعل لا بدّ له من فاعل ، وجعل في جميع الأحوال على لفظ واحد ؛ استغناء بما يلحق الكاف ، ولو لحق التاء علامة الفروع لاجتمع علامتان للخطاب مما كان يلحق التاء ، ومما كان يلحق الكاف ؛ فلما كان ذلك يؤدى إلى ما لا نظير له رفض ، وأجرى على ما عليه سائر كلامهم . وقال الزجاج بعد حكايته مذهب الفراء : وهذا القول لم يقله النحويون القدماء ، وهو خطأ لأن قولك : « أرأيت زيدا ما شأنه » لو تعدت الرؤية إلى الكاف وإلى زيد ، لصار المعنى : أرأيت نفسك زيدا ما شأنه ، وهذا محال . ثم ذكر مذهب البصريين . وقال مكي ابن أبي طالب - بعد حكايته مذهب الفراء - : وهذا محال ؛ لأن التاء في الكاف في ( أرأيتكم ) فكان يجب أن تظهر علامة جمع التاء ، وكان يجب أن يكون فاعلان لفعل واحد ، وهما لشئ واحد ، ويجب أن يكون معنى قولك : أرأيتك زيدا ما صنع ، أرأيت نفسك زيدا ما صنع ؛ لأن الكاف هو المخاطب ، وهذا محال في المعنى ، ومتناقض في الإعراب والمعنى ؛ لأنك تستفهم عن نفسه في صدر السؤال ثم ترد السؤال إلى غيره في آخره ، وتخاطبه أولا ، ثم تأتى بغائب آخر ، أو لأنه يصير ثلاثة مفعولين ل ( رأيت ) ، وهذا كله لا يجوز . ولو قلت : أرأيتك عالما بزيد ، لكان كلاما صحيحا ، وقد تعدى ( رأى ) إلى مفعولين . وقال أبو البقاء - بعد ما حكى مذهب البصريين - : والدليل على ذلك أنها - أي : الكاف - لو كانت اسما لكانت إما مجرورة ، وهو باطل ؛ إذ لا جار هنا ، وإما مرفوعة ، وهو باطل أيضا ؛ لأمرين : أحدهما : أن الكاف ليست من ضمائر الرفع . والثاني : أنها لا رافع لها ؛ إذ ليست فاعلا ؛ لأن التاء فاعل ، ولا يكون لفعل واحد فاعلان ، وإما أن تكون منصوبة ؛ وذلك باطل لثلاثة أوجه : أحدها : أن هذا الفعل يتعدى إلى مفعولين ، كقولك : أرأيت زيدا ما فعل ، فلو جعلت الكاف مفعولا لكان ثالثا . والثاني : أنه لو كان مفعولا لكان هو الفاعل في المعنى ، وليس المعنى على ذلك ؛ إذ ليس الغرض : أرأيت نفسك ، بل أرأيت غيرك ؛ ولذلك قلت : أرأيتك زيدا ، وزيد غير المخاطب ، ولا هو بدل منه . والثالث : أنه لو كان منصوبا على أنه مفعول ، لظهرت علامة التثنية والجمع والتأنيث في التاء ، فكنت تقول : أرأيتماكما ، أرأيتموكم ، أرأيتكن . ثم ذكر مذهب الفراء ، ثم قال : وفيما ذكرنا إبطال لمذهبه . وقد انتصر أبو بكر ابن الأنباري لمذهب الفراء ، بأن قال : لو كانت الكاف توكيدا لوقعت التثنية والجمع بالتاء ، كما يقعان بها عند عدم الكاف ؛ فلما فتحت التاء في خطاب الجمع ، ووقع ميم الجمع لغيرها ، كان ذلك دليلا على أن الكاف غير توكيد ؛ ألا ترى أن الكاف لو سقطت لم يصلح أن يقال لجماعة : أريت ؟ ! فوضح بهذا انصراف الفعل إلى الكاف ، وأنها واجبة لازمة مفتقر إليها . وهذا الذي قاله ابن الأنباري باطل بالكاف اللاحقة لاسم الإشارة ؛ -